السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
551
مختصر الميزان في تفسير القرآن
وقوله : وَاللَّهُ وَلِيُّهُما ، حال والعامل فيه قوله : هَمَّتْ ، والكلام مسوق للعتاب واللوم ؛ وكذا قوله : وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ، والمعنى : أنهما همتا بالفشل مع أن اللّه وليهما ولا ينبغي لمؤمن أن يفشل وهو يرى أن اللّه وليه ، ومع أن المؤمنين ينبغي أن يكلوا أمرهم إلى اللّه ومن يتوكل على اللّه فهو حسبه . قوله تعالى : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ إلى آخر الآية ؛ ظاهر السياق أن تكون الآية مسوقة سوق الشاهد لتتميم العتاب وتأكيده فتكون تؤدي معنى الحال كقوله : وَاللَّهُ وَلِيُّهُما ، والمعنى : وما كان ينبغي أن يظهر منكم الهم بالفشل وقد نصركم اللّه ببدر وأنتم أذلة ، وليس من البعيد أن يكون كلاما مستقلا سيق مساق الامتنان بذكر نصر عجيب من اللّه بإنزال الملائكة لإمدادهم ونصرهم يوم بدر . ولما ذكر تعالى نصره إياهم يوم بدر وقابل ذلك بما هم عليه من الحال - ومن المعلوم أن كل من اعتز فإنما يعتز بنصر اللّه وعونه فليس للإنسان من قبل نفسه إلّا الفقر والذلة - ولذلك قال : وأنتم أذلة . ومن هنا يعلم أن قوله : وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ لا ينافي أمثال قوله تعالى : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ( المنافقون / 8 ) فإن عزتهم إنما هي بعزة اللّه ، قال تعالى : فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ( النساء / 139 ) وذلك بنصر اللّه المؤمنين كما قال تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ( الروم / 47 ) فإذا كان الحال هذا الحال فلو اعتبر حال المؤمنين من حيث أنفسهم لم يكن لهم إلّا الذلة . على أن واجهة حال المؤمنين أيضا يوم بدر كانت تقضي بكونهم أذلة قبال ما كان عليه المشركون من القوة والشوكة والزينة ، ولا ضير في إضافة الذلة النسبية إلى الأعزة وقد أضافها اللّه سبحانه إلى قوم مدحهم كل المدح حيث قال : فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ